بينما تتوالى التحليلات عن "أزمة الثقة" المتصاعدة في المغرب قبيل انتخابات 23 شتنبر، هناك جانب يغيب باستمرار عن النقاش الرسمي والإعلامي: التراكم الممنهج للمواقف المعادية لمجتمع الميم عين، واستمرار التنكيل بحقوقهم المشروعة، تحت حكومة ادّعت لعقد كامل تقريبًا أنها حداثية وتقدمية.
هذه ليست مفارقة عابرة، بل جوهر المهزلة: حكومة تتغنى بخطاب "الانفتاح" و"التقدمية" في المحافل الدولية، بينما تترك الفصل 489 من القانون الجنائي (تجريم "المثلية") قائمًا بلا مساءلة حقيقية، وتصمت — أو تتواطأ ضمنيًا — أمام حملات التحريض الرقمي، والابتزاز، والملاحقة الأمنية لأفراد المجتمع، وتُقصي قضاياهم كليًا من أي برنامج انتخابي جاد.
إن هذه المهزلة الديمقراطية لا تُقصي فقط مجتمع الميم عين من النقاش العام، بل تُنكر على الأفراد حقهم في التعريف بأنفسهم، وفي العلاج الطبي الآمن. إن العبور الهرموني تحت رعاية طبية ليس رفاهية، بل قضية حياة أو موت؛ غياب الخدمة الصحية يعني حرمانًا مباشرًا من الحق في الحياة، ومن الحق في الكرامة الجسدية والنفسية. وضعي كلاجئة يزيد من هشاشتي: أُحرم من الحماية القانونية، ومن الخدمات الصحية الأساسية، ومن الحق في أن أُعامل كمواطنة كاملة الحقوق. هذه ليست مجرد انتهاكات فردية، بل سياسة ممنهجة تُحوّل وجودي ذاته إلى موضوع تفاوض سياسي، بدل أن يكون حقًا إنسانيًا غير قابل للمساومة.
حين تضعف ثقة الشباب بالمؤسسات، كما توثقه استطلاعات Afrobarometer ووسائل إعلام دولية، فإن الأقليات الجندرية والجنسية هي أول من يدفع الثمن: تصبح قضاياهم كبش فداء سهل، وموضوعًا يُستدعى للتشتيت عن الفشل الاقتصادي والفساد المؤسساتي الحقيقي — بدل أن تكون حقوقًا مشروعة تستحق حماية الدولة.
لذلك، فإن مقاطعة هذه الانتخابات ليست انسحابًا سلبيًا، بل فعل مقاومة: رفضٌ للتصويت على صناديق تُشرعن الإقصاء، وإعلانٌ بأن الديمقراطية لا تُختزل في أوراق الاقتراع، بل في حماية الحق في الحياة، والحق في العلاج، والحق في التعريف، والحق في الكرامة لكل مواطن ومواطنة بلا استثناء.
انيا دحان (ع.ج)
رئيسة منظمة المظلة الحمراء للعابراتين (جمعية نوميديا، حي الازدهار مراكش)
18 سبتمبر 2026
Comments
No comments yet.
Leave a comment